Sunday, October 26, 2014

الحالات الإعرابية في الأندونيسية والعربية دارسة مقارنة

االمقدمة

الإعراب ذو شأنٍ عظيمٍ في اللغة. وهو يساعد إزالة الغموض واللبس، ولولا الإعراب لاختل الأمر؛ لأن من يريد أن يحكم في هذه
القضية يختلط عليه أمرها وظهور الإعراب أبان عنها دون لبس أوغموض حيث كان معنى الإعراب لغة له ثلاثة معان: (1) التبيين، قال النبي: ﴿الثيب تعرب عن نفسها﴾ أي تبين، والمراد بذلك ﴿إن الإعراب يبين المعاني﴾، (2) التغيير يلحق أواخر الكلم، (3) المعرب للكلام كأنه يتحبب إلى السامع بإعرابه (الأنباري، 18-19).

 وهو تطبيق لقواعد اللغة. وهو طريقةٌ قديمةٌ لدى علماء العربية لإبراز مواقع الكَلِم اعتمادا على القواعد التي بُنِيتْ عليها، فهو وسيلةُ إيضاحٍ للمتعلّم ليُدرك بها تركيب الجمل، ولكي يدركَ قيمةَ الإعرابِ لابد من ملاحظة أنّه وسيلةٌ لإيضاحِ مواقعِ الكلماتِ في التركيبِ، فهو طريقةٌ سهلةٌ للتعليم حينما يُؤخذ المأخذَ الصحيحَ، وهو خروجٌ عن النمط التقليديّ لتعليم قواعد اللغة بالتلقين، ففي الإعراب تكون القواعدُ مُطبّقةً في النصوص، ويكون التعليم باستنباط تلك القواعد من النصوص، حيث تكون مصدراً للقاعدة النحويّة، وبذا يخرج تعليم العربية عن النمط المعتادِ - وهو الانطلاق من القاعدة إلى النصوص - إلى جعل النصّ هو المُنْطَلَق لاستنباط القاعدة .

وأما اصطلاحا فالإعراب هو ﴿تغيير أواخير الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظا أو تقديرا﴾ (الصنهاجي، 1998، ص. 6). ويمكن أن يقال: إنه نظام لوضع علامات حسب العلاقة التي تربطها برؤوسها. وعرّف الأنباري تعريف الإعراب إنه: ﴿اختلاف أواخر الكلم باختلاف العوامل لفظًا وتقديرًا﴾ (الأنباري، ص21)، وقال الأنباري في أسلوب أخر ﴿ما تغير أخيره بتغير العامل في لفظا أةمحلا﴾ (الأنباري، ص 22)، ولا يتحقق ذلك إلا إذا كانت الكلمة في إطار تركيب مع غيرها؛ فلا يستحق الاسم الإعراب إلا بعد التركيب، وجعلوا للعمل النحوي ثلاثة أركان: العامل، والمعمول، والأثر الإعرابي.

وقسّم النحاة القدماء الكلمات إلى ثلاثة أقسام ﴿اسم وفعل وحرف﴾، وانطلاقا من هذا التقسيم، تنوّعت حالات الإعراب العربية إلى أربعة أقسام:- الرفع والنصب والجر والجزم. واختلف إعراب الأسماء عن إعراب الأفعال في أن الأول يحدد وظيفة الاسم في الجملة فتتغير حسب علامته, والثاني يحدد الحالة التصريفية للفعل ولا يغير من وظيفته التركيبية شيئا؛ فالفعل يظل فعلا سوا كان رفعا أم نصبا أم جزما.

وقال Wundt لاتوجد لغة ما في العالم دون حالة إعرابية[1]. وعندئذ، تزخر لغات العالم بحالات إعرابية كثيرة. وتتعلق الحالات الإعرابية ببنية تركيبية في جملة ما في النص. يمثل الإعراب محورًا وركيزة أساسية للإنباء عن تحقق نوعٍ من أنواع التلازم بين طرفين، أحدهما المؤثر والآخر القابل للتأثير، أو حسب اصطلاح النحاة العامل والمعمول، ففي تفكير معظمهم أن الكلمة المعربة لازمت عاملاً أثّر فيها، وجلب لها العلامة الإعرابية،

ويتحدّد تأسيسًا على ما سبق مفهوم العامل على أساس ارتباطه بالمعمول، وارتباط الأخير بعلامة إعرابية مخصوصة، فالعامل هو ما يُحْدِثُ تغييرًا في الحركات، فيكسب المعمول الرفع أو النصب أو الجزم أو الخفض، وقد يكون العامل فعلاً أو شبهه أو حرفًا عاملاً، وهو العامل اللفظي أو المعنوي.



  • الفرق بين الحالات الإعرابية والعلامات الإعرابية

وتقوم نظرية الحالات الإعرابية (case theory) بتحديد حالات إعراب الأسماء في المركبات الاسمية في الجملة، والأفعال في المركبات الفعلية في الجملة. والإعراب مهم جدا لمعرفة المعنى المقصود من النص أو الكلام، كما ذكر ابن الجني أن الإعراب هو  يبين عن المعاني بالألفاظ دون لبس، مثلا: أكرم سعيدٌ أباه وشكر سعيدًا أبوه، وعلم ﴿سعيد﴾ من هتين العبارتين برفع أحدهما ونصب الأخر الفاعل من المفعول، ولوكان الكلام شرحا واحدا لاستبهم أحدهما من صاحبه (ابن جني، 2001، ج 1، ص 36-532).

علينا أن نعرف الفرق بين الحالات الإعرابية والعلامات الإعرابية. وقد ذكر فوقه أن الحالات الإعرابية تتعلق ببنية تركيبية الجملة، وهي إذا حالة كلمة ما في العبارة، نصا كانت تلك العبارة أو قولا. وأما العلامات الإعرابية هي علامة كل الإعراب من هذه الحالات. ويمكن أن نبين ذلك في هذا المثال:- ﴿قرأ هندٌ الكتابَ﴾، فـ﴿هند﴾ في هذه الجملة الفعلية في محل ﴿رفع﴾ فاعل، وأما الضمة الظاهرة عليها هي ﴿علامة الإعراب﴾، و﴿الكتاب﴾ في حالة النصب، وعلامتها ﴿الفتحة﴾ الظاهرة في آخره. وذلك كما قال ابن مالك في ﴿ألفية ابن مالك﴾

فارفع بضم وانصبن فتحا وجرّ  #  كسرا كـ﴿ذكر الله عبده يسر﴾

(ابن مالك، ص4)

وانطلاقا من هذا البيت من ﴿ألفية﴾ لابن مالك الأندلسي عرفنا أن الرفع والنصب هما حالتان للإعراب وأما الضمة والفتحة فهما علامتا الإعراب الأصليتين. وليس فقط الرفع والنصب حالتين للإعراب بل تنقسم الحالات الإعرابية إلى أربعة أقسام، وهي الرفع للاسم والفعل المضارع والنصب للاسم والفعل المضارع والجر للاسم والجزم للفعل المضارع.

وكل من هذه الحالات الإعرابية له علامات أصلية وفرعية. والعلامات الإعرابية الأصلية أربع موافقا لعدد الحالات الإعرابية وهي ﴿الضمة للرفع والفتحة للنصب والكسرة للجر والسكون للجزم﴾. وأما العلامات الفرعية أو البدائل فهي ما يلي:



  • الرفـع: الواو في جمع المذكر السالم، والألف في المثنى، والضمة المقدرة في الاسم المقصور والمنقوص، والواو في الأسماء الخمسة.

  • النصب: الياء في جمع المذكر السالم، الياء في المثنى، الفتحة المقدرة على الاسم المقصور والألف في الأسماء الخمسة.

  • الجـر: الياء في جمع المذكر السالم، الياء في المثنى، الياء في الأسماء الخمسة.

وإذا استعملنا مصطلحات عامة تقرب مفهوم الحالة من التصور النحوي، فالحالات الإعرابية هي  الفاعلية: حالة الفاعل في الجملة، والمفعولية: حالة المفعول به في الجملة، والمفعولية غير المباشرة: حالة المفعول به غير المباشر مع الأفعال التي تتطلب مفعولين مثل "أعطى" فالمعطى هو المفعول به المباشر والمعطى له هو المفعول به غير المباشر، والإضافة: حالة الإضافة.

ولاتدخل هذه الحالات الإعرابية جميع الكلمات الثلاثة بل بعضها، مثلا:- بدخل الرفع والنصب والجزم في الأفعال فقط؛ وذلك أن الرفع للواجب الواقع وهو فعل واقع مواقع الاسم وفي موضعه، والنصب لممكن الوقوع، والجزم للممتنع في الأمر والنهي والشرط (عاشور، 2005، ص 341). وللأسماء من هذه الحالات الإعرابية الرفع والنصب والخفض(الصنهاجي، 1998، ص6)، ولاجزم فيها كما لا خفض في الأفعال.



  • نماذج الحالات الإعرابية: العربية والأندونيسية نموذجين

قبل أن نبدأ دراسة الحالات الإعرابية مقارنة بين الحالات الإعرابية في العربية والأندونيسية، وجب علينا أن نعرف أولا أن العربية تعرف الاعراب في كل أجزاء سلسلتها الصوتية والصرفية واللفظية بل أكثر من ذلك في الجملة بمجملها وإن كان ذلك بالتقدير إلا أنه يملك تحققا في المتصور الافتراضي. وكذا تقيم العلوم التي تتناول الإعراب في العربية إلى علم النحو أوالتركيب وعلم الصرف أوالاشتقاق بأنواعه في حين أن الأندونيسية لا تملك إلا علم التركيب والتصريف فحسب ولا تملك علما خاصا بالإعراب، وسمكن أن نبين ذلك في المثال الآتي:-





















أكلمحمدٌالموزَpisangmakanMuhammad
فعل ماضفاعلـٌ: علامة الفاعليةمفعول بهـَ:علامة المفعوليةمفعول بهobjectPredicateفعلفاعل/ Subject

وقد ذكر الباحث أعلاه، أن الأندونيسية لاتملك العلوم
في الحالات الإعرابية، إلا علم التركيب والتصريف، وتوضّح فرق الحالات الإعرابية بين هتين اللغتين من ظهور الحركة التي هي علامة الإعراب في العربية ولم يظهر ذلك في الأندونيسية، فكان Muhammad لايتغير كتابته وصوته ولو تغير محاله الإعرابي، مثلا:-



  • Muhammad membeli buku ﴿محمدٌ اشترى الكتابَ﴾

  • Harun mengunjungi Muhammad ﴿هارونُ زار محمداً﴾

وكانت كلمة ﴿Muhammad﴾ في الجملة الأولى في الفاعلية والثانية في المفعولية، ولكنها لاتتغير في النطق أو الصوت والكتابة لـ﴿Muhammad﴾ سواء كانت في الحالة الفاعلية أوالمفعولية.

وعلى الرغم من ذلك، تشبه الأندونيسية بالعربية في التصريف. وصدرت مركز اللغة بوزارة التعليم الوطني لجمهورية أندونيسية كتابا Pedoman Umum Pembentukan Istilah. إستنادا إلى هذا الكتاب يمكن تغيير معنى الفعل predicate بزيادة الحرف سواء كانت في السوابق prefix أوالأواخير suffix أو konfix (زيادة حروف المختلطة مكانتها بين السوابق والأواخير حتى يمكن أن تكون الزيادة في الوسط مثلا ينقل وزن فَعَلَ إلى تَـفَـاعَلَ أو فَـاعَلَ) (Kemendiknas، 2007، ص 38).

ويمكن أن نبين ذلك يالأمثلة التالية:-



  • Seorang ibu bahagia فرِحت الأمُّ

  • Seorang ibu membahagiakan putrinya فرّحت الأمُّ بنتَها

إذا نقل الفعل الثلاثي ﴿فَعَلَ﴾ إلى وزن ﴿فَعَّلَ﴾ بزيادة التضعيف، فتعدى إلى مفعول واحد بعد أن كان لازما  (بن علي، ص 17-18). وكذلك الفعل (predicate) في الأندونيسية بعد زيادة ﴿سوابق mem-  +أواخير+  -kan﴾ أي إنه تعدى الفعل في الأندونيسية بهذا النط ﴿mem  +الجدر+  kan﴾.


















bahagiaMem-bahagia-kan
فعل اللازمالأواخيرالجدرالسوابق
فعل المتعدي

طبعا، تغير معنى الفعل subject في اللغة الأندونيسية من معنى جدوره لزيادة حرف  سوابقا كانت تلك الزيادة أو أواخيرا أو كلاهما، مثلا:- كلمة sebar، فقلبت حرف “s” بـ”ny” لظهور السوابق والأواخير فصار: menyebarkan ولايجوز أن يكتب / يقال mensebarkan. تغير sebar معنى وكتابة كما كان ذلك في العربية.

والتقابل بين هتين اللغتين يحتاج إلى بحث عميق. ولا يكتفي بهذه الأوراق القصيرة.



  • الخاتمة

افترق نظرية الحالات الإعرابية بين العربية والأندونيسية حيث أن العربية لديها علم خاص في الإعراب في حين أن الأندونيسية لاتملك إلا نظرية التركيب syntac والتصريفmorphology . ولاتتغير الكلمة في اللغة الأندونيسية في أية حالة ما فاعلية كانت أومفعولية أوغيرهما كما تغيرت تلك الكلمة في اللغة العربية بعلامات الإعراب من حركات أو حروف، مثلا:- زيدٌ-زيدًا-زيدٍ حسب موقعه في الجملة في حين إن ﴿زيد﴾ في لغتي الأندونيسية في جميع الحالات الإعرابية:- Zaed .

المراجع:

الأنباري (أبي البركات عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد)، أسرار العربية، مطبوعات المجمع العلمي العربي، دمشق.

ابن جني (أبي الفتح عثمان)، الخصائص، المكتبة العلمية، دار الكتب المصرية، مصر.

ابن علي (الشيخ محمد معصوم)،الأمثلة التصريفية، مكتبة هب لنا، جربون-أندونيسيا.

ابن مالك (أبو عبد الله محمد جمال الدين)، ألفية ابن مالك، مكتبة هب لنا، جربون-أندونيسيا.

الصنهاجي (أبو عبد الله محمد بن محمد بن داود)، الأجرومية، دار الصميعي للنشر والتوزيع، 1998، الرياض- مملكلة السعودية.

عاشور، (منصف)، دروس في أصول النظريو النحوية العربية من السمات إلى المقولات أولوبية الوسم الموضعي، 2005، مركز النشر الجامعي، منوبة-تونس.

المراجع بالأجنبية:

Pusat Bahasa Kementerian Pendidikan Nasional, Pedoman Umum Pembentukan Istilah, 2007, Cet. IV. Jakarta.

[1] محاضرة أ.د. منصف عاشور أمام طلبة اللسانيات من السنة الأولى ماجيستر مارس 2014.


EmoticonEmoticon